كتب للشرق تريبيون - عادل محمود
تمثل جورجيا ميلوني ، رئيسة وزراء إيطاليا منذ أكتوبر 2022 ، واحدة من أكثر الظواهر السياسية إثارة للتأمل في أوروبا المعاصرة . ليست مجرد أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في بلاد صاغت فكر النهضة الحديثة ، بل هي أيضا زعيمة أول حكومة يمينية متطرفة تصل إلى الحكم منذ سقوط نظام موسوليني قبل ثمانية عقود .
صعودها لا يمكن فهمه كحالة داخلية تخص إيطاليا وحدها ، بل كعرض متقدم لأزمة أعمق في الضمير الأوروبي : عودة الأسئلة القديمة حول الهوية والسيادة والخوف من "الآخر" ، في لحظة ظن فيها الغرب أنه تجاوزها .
ولدت ميلوني في حي شعبي بروما اسمه "غارباتيلا" ، وسط أسرة من الطبقة العاملة . غاب والدها مبكرا، فشبت في بيئة قاسية صاغت فيها الانتماء كوسيلة للبقاء . في سن الخامسة عشرة انضمت إلى "جبهة الشباب" ، الذراع الطلابي للحركة الاجتماعية الإيطالية التي أنشأها أتباع موسوليني بعد الحرب تحت شعار "الاستمرار في التقاليد" . منذ تلك اللحظة ، كان مسارها السياسي محددا : من الهامش الفاشي إلى قلب البرلمان .
عام 2008 ، دخلت الحكومة كأصغر وزيرة في تاريخ الجمهورية ، لتتولى حقيبة الشباب في حكومة برلسكوني الرابعة . لكنها لم تكن مجرد وجه شاب في سلطة هرمة ، بل إشارة إلى أن اليمين الجديد قرر خوض معركته داخل مؤسسات الدولة لا خارجها .
وفي عام 2012 ، أسست حزب "إخوة إيطاليا" مع رفيقيها لا روسا وكروسيتو ، لتعيد ترتيب بيت اليمين على أساس قومي محافظ ، وتنتزع له المشروعية الشعبية التي افتقدها منذ سقوط موسوليني .
ثماني سنوات فقط ، وكانت ميلوني قد نقلت حزبها من الهامش إلى القمة ، لتفوز في انتخابات 2022 بأغلبية واضحة وتجلس على مقعد موسوليني نفسه ، ولكن تحت علم الاتحاد الأوروبي .
لكن لفهم صعودها لا بد من تفكيك خطابها أولا . خطاب ميلوني يقوم على ثلاث ركائز متشابكة :
أولا - المحافظة الاجتماعية المتشددة : ترفض الإجهاض والموت الرحيم وزواج المثليين ، وتعيد تعريف الأسرة بوصفها "تحالفا مقدسا بين رجل وامرأة" . في خطابها الشهير صاحت : "نعم للعائلة الطبيعية ، لا لجماعات الضغط المنحرفة ..!" ، جملة تكفي - من وجهة نظر أوروبية - لإعادة إيطاليا نصف قرن إلى الوراء .
ثانيا - العداء للهجرة والتعددية الثقافية : تحذر من "الغزو الأفريقي والإسلامي" ، وتطالب بفرض حصار بحري على ليبيا ، في إعادة فجة لصورة البحر المتوسط كسور يفصل "أوروبا المتحضرة" عن "الجنوب المتخلف" .
ثالثا - الشك في أوروبا والولاء للغرب : انتقدت بروكسل طويلا باسم "السيادة الوطنية" ، لكنها حين اقتربت من الحكم عدلت لغتها ، دعمت أوكرانيا في مواجهة روسيا ، ومالت إلى واشنطن أكثر من أي حكومة إيطالية سابقة . تكتيك ذكي ، لكنه يكشف جوهر المعادلة : يمين متشدد داخليا ، وذراع أطلسي خارجيا .
يبقى السؤال الأكثر إلحاحا : هل تجاوزت ميلوني ماضيها الفاشي فعلا ؟
الحزب الذي تقوده يحمل شعار "اللهب ثلاثي الألوان" ذاته الذي تبنته الحركة الاجتماعية الإيطالية وريثة موسوليني ، وهي نفسها مجدت في شبابها الديكتاتور القديم علنا .
وعندما أشادت سنة 2020 بجورجيو ألميرانتي ، أحد رموز الفاشية ، بدا وكأنها لا تزال تعيش ازدواجية تاريخية : تنفي التهمة بيد ، وتصافح الماضي بالأخرى . تقول : "الفاشية من الماضي ، وليست في برنامجنا" ، لكن النقاد يرون في ذلك مجرد "غسيل أيديولوجي" ضروري لتمرير حزب قديم بأدوات جديدة .
تحاول أن تظهر وجها ديمقراطيا منضبطا ، فتلغي التحية الرومانية وتحظر الشعارات المتطرفة ، غير أن ذلك لا يلغي الحقيقة : جذور حزبها ضاربة في تربة لم تجف دماؤها بعد .
وحين نغادر الداخل الإيطالي إلى ساحات السياسة الخارجية ، نجد ميلوني تقدم نفسها بوصفها حليفة أمينة للولايات المتحدة وحامية "للغرب" . انسجامها مع ترامب ليس خافيا ، وحتى حين تجاوز الأخير حدود اللياقة في التعليق على مظهرها أثناء قمة شرم الشيخ ، اكتفت بالصمت . صمتها لم يكن ضعفا ، بل حسابا بارعا ، فالإهانة العابرة لا تساوي خسارة دعم واشنطن .
أما في الشرق الأوسط ، فقد بدت أكثر انحيازا لإسرائيل من أي حكومة إيطالية سابقة ، قبل أن ترغمها صور المجازر في غزة على تليين خطابها قليلا . حتى ذلك لم يحمها من دعوى قضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية تتهمها "بالتواطؤ في الإبادة" .
الشارع الإيطالي رد بمظاهرات حاشدة أعادت السياسة إلى الشارع ، وأعادت السؤال إلى الواجهة : من تمثل ميلوني حقا ؟ الأمة أم تحالف المصالح ؟
ميلوني ليست مجرد زعيمة وطنية ، إنها اختبار مفتوح أمام الديمقراطيات الغربية كلها .
تقدم نفسها كحارسة للهوية الوطنية ، لكنها تخفي تحت هذا القناع قلقا أعمق : خوف أوروبا من التعدد ، من المهاجر ، من الفوضى الاقتصادية ، من المستقبل نفسه . ولذلك فإن نجاحها لا يعني فقط صعود حزب يميني إلى السلطة ، بل شرعنة هذا الخوف كمصدر جديد للشرعية السياسية .
بهذا المعنى ، تتحول إيطاليا اليوم إلى مختبر لما قد تكون عليه أوروبا غدا : ديمقراطية ليبرالية تعيد تدوير الفاشية بأدوات برلمانية .
تجربة ميلوني تضع الديمقراطية الإيطالية أمام امتحان عسير : هل تستطيع احتواء اليمين المتطرف دون أن تنقلب إلى صورته ؟ نجاحها في الحكم - حتى الآن - لا يلغي هشاشة الأساس الذي تقوم عليه ، بل يكشفها . فكل خطوة تتخذها باسم "الإصلاح" تحمل شحنة من الخوف ، وكل خطاب عن "الوطن" يخفي وراءه استبعادا للآخر .
هي ابنة عصر فقد ثقته في نفسه ، فملأ فراغه بخطاب عن الهوية والانضباط والتقاليد. لكن التاريخ - كما يعرف الإيطاليون جيدا - لا يستدعى بلا ثمن . جورجيا ميلوني ليست استثناء ، بل علامة .
علامة على أن اليمين الجديد لم يأت من فراغ ، بل من رحم قلق اجتماعي واقتصادي وفكري يصيب الغرب كله . وإيطاليا - كما كانت دوما - تعلن المرض قبل أن يعترف به الآخرون .