كتب للشرق تريبيون - عادل محمود
هذا العام، وأنا أتابع ابنتي في امتحانات نصف العام، وصلت لقناعة نهائية: الامتحانات عندنا لا تقيس مستوى الطالب، بل تقيس قدرته على التعايش مع العبث دون أن ينهار. وهي مهارة حياتية مهمة لا أنكر.
قبل الامتحانات بأيام، البيت يتحول إلى وحدة طوارئ تعليمية. الهدوء فرض، الابتسامة موضع شك، وأي محاولة "للعيشة الطبيعية" تقابل بنظرة اتهام: "مش وقته دلوقتي".
الكتب في كل مكان مفتوحة دائما، مع ان المذاكرة نفسها مسألة ثانوية، لكن الطقوس أساسية. الأسئلة المعتادة تبدأ في الظهور: "أذاكر إيه؟"، "ده مهم؟"، "ممكن ييجي؟".
أسئلة بريئة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة اعتراف ضمني بأن المنهج لا علاقة له بالامتحان، وأن الامتحان كائن مستقل، له مزاجه، وله طرقه الخاصة في الظهور المفاجئ. ابنتي لا تذاكر لتفهم، بل لتدخل في دماغ واضع الامتحان.
تحاول أن تتخيل: لو كنت مكانه، كنت هسأل إزاي؟ الفهم هنا نشاط جانبي، يصلح لوقت الفراغ. الأساس هو التوقع. لأن الفهم لا يكافأ دائما، أما التوقع الصحيح فله درجات. في إحدى الليالي، قالت لي إنها فاهمة الدرس، لكن تخشى أن تكتبه بطريقتها، لأن واضع الإمتحان عايز لفظ معين".
هنا اتضح كل شئ. الامتحان ليس اختبار معرفة، بل اختبار ولاء. المطلوب ليس أن تعرف، بل أن تلتزم بالنص. ليس أن تفكر، بل أن تحفظ الصيغة المعتمدة. يوم الامتحان، خرجت لا تناقش إجابتها، بل تناقش نية السؤال.
"هو كان عايز إيه؟" سؤال منطقي جدا في نظام غير منطقي. الامتحان عندنا لا يفهم، لكن يفسر، والطالب الناجح ليس الأذكى، بل الأكثر قدرة على قراءة ما بين السطور، بشرط أن يكتب داخل السطور.
المفارقة المؤلمة أن الطلاب الذين يحفظون نماذج الإجابة قبل الامتحان بساعات يدخلون مطمئنين، بينما من يفهم ويفكر يدخل متوترا، لأنه قد يرتكب جريمة فكرية اسمها "إجابة من دماغه". هنا ننجح تربويا في توصيل رسالة واضحة: التفكير مخاطرة، والحفظ أمان.
كأب لا يقلقني أن تعب الشهور قد يضيع في ساعتين، بل أن ابنتي تتعلم درسا أخطر من أي منهج: لا تكوني نفسك، كوني النسخة المقبولة.
لا تحاولي أن تفهمي أكثر من اللازم، ولا تكتبي أكثر مما هو مطلوب، لأن الزيادة في الفهم قد تخصم من الدرجة. وبعد كل هذا العناء، تظهر النتيجة، رقم، رقم فقط، لا أحد يسأل ماذا تعلمت، أو لماذا أخطأت، أو ماذا تحتاجين.
الرقم يؤدي الغرض، يرضي الجميع، ثم يترك في ملف، كما تركت كل الأسئلة التي لم يسمح للطالب أن يسألها.
ننهي امتحانات نصف العام، ونبدأ منهجا جديدا بنفس الثقة الغريبة أن النظام يعمل. ثم نتفاجأ بطلاب لا يحبون المدرسة، ولا يثقون في التعليم، ولا يعرفون لماذا يدرسون أصلا. مفاجأة غير متوقعة طبعا.
أنا لست ضد الامتحانات. أنا فقط محتار: إذا كان الامتحان لا يقيس الفهم، ولا يشجع التفكير، ولا يستخدم لتحسين التعليم، فما وظيفته بالضبط؟ إلى أن نجد إجابة صادقة، ستظل امتحانات نصف العام تمرينا وطنيا على القلق، نمارسه بانتظام، ونسميه تعليما، لأن الحقيقة قد تكون محرجة أكثر من اللازم.