كتب للشرق تريبيون - عادل محمود
لم يكن اجتياح فنزويلا في الثالث من يناير 2026 مجرد عملية عسكرية جديدة في سجل الإمبراطورية الأمريكية الطويل، بل كان إعلانا صريحا عن دخول العالم مرحلة جديدة من الهيمنة الأحادية الجانب. عندما خطفت القوات الأمريكية الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته من قلب كاراكاس، لم تكن تمارس حقا في التدخل الإنساني، لكنها كانت تعيد كتابة قواعد اللعبة الدولية.
منذ عام 2015، فرضت الولايات المتحدة حزمة من العقوبات الموجهة ضد الحكومة الفنزويلية. هذه العقوبات لم تكن شاملة لكنها مؤثرة، حرمت فنزويلا وعزلتها اقتصاديا، وأضعفت قدرتها على الصمود.
لكن المفاجأة الحقيقية جاءت في يناير 2026، عندما تحولت السياسة من الحصار الاقتصادي إلى العمل العسكري المباشر، كاشفة عن نفاد صبر الإمبراطورية مع التجارب السياسية التي لا ترضخ لإملاءاتها.
لقد أصبح الأمر واضحا: العقوبات وحدها لم تعد كافية، والدم أصبح أداة السياسة الأمريكية الجديدة. الولايات المتحدة، التي تدعي الدفاع عن النظام العالمي القائم على المبادئ، هي نفسها التي تقوض هذا النظام عندما يتعارض مع مصالحها.
الضربات العسكرية ضد فنزويلا هي جزءا من استراتيجية أوسع لإعادة ترتيب العالم تحت الهيمنة الأمريكية المطلقة. في الأسبوع نفسه الذي قصفت فيه الطائرات الأمريكية كاراكاس، أعلن البنك الدولي والوكالات الدولية عن الإستعداد لتقديم المساعدات الإنسانية للفنزويليين.
هذا التناقض يوضح استراتيجية مزدوجة: تدمير الدولة، ثم إعادة هيكلتها لتصبح خاضعة بالكامل للنفوذ الأمريكي.
العالم يشهد تحولا دراماتيكيا في موازين القوى. الدول الصغيرة والمتوسطة، التي كانت تحلم باستقلال قرارها، تواجه خيارين مريرين: الخضوع التام أو المواجهة الإنتحارية.
حتى الدول الكبرى مثل الصين وروسيا تجد نفسها مضطرة لإعادة حساباتها في ظل هذا العدوان الجديد. النظام العالمي الجديد يقوم على "بيت الطاعة الأمريكي"، حيث تحدد واشنطن من هو الصديق ومن هو العدو، ومن يستحق المساعدة ومن يستحق العقاب.
فنزويلا التي حاولت بناء نموذج اقتصادي مستقل، أصبحت عبرة لكل من تسول له نفسه الخروج عن الصف.
المفارقات كثيرة:
الولايات المتحدة، التي تدعي الدفاع عن الديمقراطية، تدعم الانقلابات العسكرية ضد الحكومات المنتخبة، وتدمر البنية التحتية باسم "تحرير" الشعوب. الإعلام الغربي، الذي يصور نفسه حارس الحقيقة، يمارس التعتيم على الانتهاكات الأمريكية بينما يضخم أخطاء الحكومات المعارضة لها.
لكن التاريخ لا يسير في خط مستقيم. كما أن الإمبراطوريات السابقة سقطت عندما بلغت ذروتها في الغطرسه، فإن الهيمنة الأمريكية اليوم قد تكون في ذروتها قبل الانحدار.
فنزويلا المدمرة اليوم قد تصبح رمزا للتحرر غدا.
الشباب الأمريكي نفسه، الذي يشهد سياسات العدوان هذه، قد يثور ضد قادته الذين يدمرون سمعة بلاده في العالم. القوى العالمية اليوم تواجه مفترق طرق: هل ستقبل القواعد الأمريكية الجديدة، أم ستعيد رسم خريطة المصالح الدولية بعيدا عن الهيمنة الأحادية؟
العالم بعد فنزويلا لم يعد كما كان. دخلنا عصرا جديدا من الهيمنة الأحادية الجانب، حيث تحدد الولايات المتحدة قواعد اللعبة وفق مصالحها الضيقة. لكن هذا النظام لا يمكن أن يستمر إلى الأبد.
الإمبراطوريات تسقط عندما تفقد شرعيتها في أعين الشعوب. ما يحدث في فنزويلا اليوم قد يكون بداية النهاية للهيمنة الأمريكية، عندما يدرك العالم أن "بيت الطاعة الأمريكي" ليس ملاذًا آمنًا، بل سجناً للشعوب الحرة.