كتب للشرق تريبيون - البروفسور محمد خوجه
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالجزائر
مع نهاية شهر جانفي 2026، تشهد منطقة الخليج توتراً عسكرياً غير مسبوق، مع انتشار حاملة الطائرات "إبراهام لينكولن" وتعزيزات قيادة القوات المركزية الأمريكية (سنتكوم) في مياه مضيق هرمز.
هذه التحركات لا تمثل مجرد عرض قوة تكتيكي، بل تشكّل لحظة حرجة في لعبة استراتيجية معقّدة بين لاعبين غير متكافئين: قوة عظمى تسعى لفرض هيمنتها، ودولة إقليمية تدافع عن بقائها.
لفهم ديناميكيات هذا المأزق، تقدم نظرية الألعاب، ولا سيما مفهوم "توازن ناش" Nash equilibrium الذي طوّره الرياضي جون فوربس ناش، إطاراً تحليلياً دقيقاً يفسر لماذا يصمد الطرفان في التصعيد رغم مخاطره الوجودية.
1- هيكل الصراع
يُصوّر هذا التوتر كنموذج متطوّر من "لعبة الدجاج" (Chicken Game)،والتي تُنسب مناقشتها الأكاديمية المنهجية الأولى إلى لوس ورايفا (1957)،وتقدم تفسير تطبيقي لفئة من ألعاب المصفوفة 2×2 التي تتميز بوجود: - حافز فردي للتصعيد (إذا تراجع الخصم)، - كارثة جماعية في حال التصعيد المتبادل.
حيث يتجه سائقان نحو تصادم محتّم: الرابح هو من يصمد بينما يتراجع الآخر، لكن التصادم يدمّر الطرفين معاً. في السياق الجيوسياسي، تتجلى الاستراتيجيتان المحتملتان كالتالي: -
الخيار الأمريكي: شن ضربة قاضية (استهداف القيادة الإيرانية أو المنشآت النووية) مقابل التراجع الدبلوماسي.
- الخيار الإيراني: الرد "الوجودي" (إغلاق مضيق هرمز، استهداف القواعد الأمريكية، تفعيل الوكلاء الإقليميين) مقابل التنازل السياسي.
في هذا الإطار، يتشكّل توازن ناش ، حيث لا يستفيد أي لاعب من تغيير استراتيجيته منفرداً ، إذا حافظ الآخر على موقفه،عندما يصبح التصعيد وليس الحرب الاستراتيجية العقلانية لكلا الطرفين:
فالولايات المتحدة تحسب أن الحشد العسكري يفرض تكلفة ردع على إيران، دون الدخول في حرب استنزاف مكلفة، بينما ترى طهران أن أي تنازل سياسية يعادل "نفق السقوط" الداخلي، خاصة في ظل الاحتجاجات التي شهدتها عام 2025. هنا يصبح التهديد المتبادل، وليس التنفيذ أداة الاستقرار الهش.
2- ديناميكيات اللاعبين: القوة المتفوقة مقابل البقاء غير المتكافئ
تستند واشنطن خاصة في ظل إدارة ترامب الثانيةإلى حسابات باردة: الحشد العسكري (5700 جندي إضافي، قاذفات استراتيجية، وتحالف دفاعي مع إسرائيل)، يهدف إلى خلق واقع ردع أحادي الجانب.
فالتراجع الدبلوماسي دون مقابل يُضعف مصداقية الولايات المتحدة عالمياً، بينما تبقى الضربة "الصدمية" خياراً محفوظاً لفرض تنازلات إيرانية قسرية.
في المقابل، تبني طهران استراتيجيتها على مبدأ "البقاء عبر التصعيد": فالرد الوجوديباستخدام الصواريخ الباليستية، وكلاء مثل الحوثيين، والتهديد بإغلاق هرمز،يرفع تكلفة أي عمل عسكري أمريكي إلى مستوى عالمي (أزمة نفط، تصاعد إقليمي).
بهذا، تحوّل إيران ضعفها العسكري التقليدي إلى قدرة ردع غير متناظرة، حيث يصبح الثمن المطلوب لـ"الانتصار" الأمريكي باهظاً لدرجة تجعله غير عقلاني.
3- كسر التوازن:
من لعبة الدجاج إلى صيد الوعل يبقى التوازن الناشي الحالي أي التصعيد دون حرب مستقراً لكن هشاً، مع احتمالات تقدّر بـ55% لتفادي الحرب الكاملة، و35% لضغط دبلوماسي يؤدي إلى صفقة، و10% لانزلاق نحو مواجهة مدمرة.
المخرج من هذا المأزق لا يكمن في انتظار انهيار أحد الطرفين، بل في تحويل طبيعة اللعبة نفسها من "لعبة الدجاج" (ذات نتائج صفرية) إلى "لعبة صيد الوعل" (Stag Hunt) التعاونية، حيث يصبح التعاون وليس التصعيدا هو لاستراتيجية المهيمنة. هذا التحول يتطلب ثلاثة عوامل حاسمة:
1. قنوات تواصل سرية ومستمرة: كما حدث في أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، حيث سمحت الإشارات غير الرسمية بين كينيدي ونيكيتا خروتشوف بتجنب التصادم، فإن "القنوات الخلفية" بين واشنطن وطهران قد تكشف عن نوايا حقيقية وتقلل من سوء الفهم القاتل.
2. التزامات ملزمة عبر ضامنين خارجيين: ضمانات من الصين أو روسيا لإيران، وأوروبا للولايات المتحدة، يمكن أن تحوّل "الخيانة" المحتملة إلى خسارة استراتيجية، مما يعزز مصداقية أي اتفاق مبدئي.
3. تعديل مصفوفة الحوافز: تجميد إيراني مؤقت للأنشطة النووية مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات،وليس رفعها الكامل يخلق عوائد تعاونية (+5/+5) تفوق خطر التصادم (-8/-8)، خاصة تحت ضغط الأزمة الاقتصادية العالمية التي تطال الطرفين.
ومع تصاعد التوتر العسكري الأمريكي-الإيراني، فإن لعبة صيد الوعل ستمثل التحول المطلوب، من ديناميكيات التصعيد إلى التعاون ضمن التوصيف التالي
1. الوضع الحالي (توازن انفرادي):
- كل طرف يختار "التصعيد الآمن" (الحشد العسكري/التهديدات) لأنه لا يثق بأن الآخر سيتراجع.
- النتيجة: استقرار هش (+2/+2) لا حرب، لكن لا تقدم دبلوماسي.
2. الهدف (توازن تعاوني): - تجميد نووي إيراني مقابل تخفيف عقوبات → مكاسب متبادلة (+5/+5).
- لكن هذا يتطلب بناء ثقة عبر:
- خطوات تدريجية (تخفيف جزئي للعقوبات قبل التجميد الكامل).
- ضامنين خارجيين (الصين، روسيا، أوروبا) لضمان الالتزام.
- لعب متكرر (مفاوضات على مراحل) لتحويل "الخيانة" إلى خسارة استراتيجية طويلة الأمد.
3. التحدي:
حتى لو كان التعاون مربحاً للطرفين، فإن الخوف من الاستغلال (أن تخفف أمريكا العقوبات بينما تواصل إيران التخصيب) ،يدفع كلا الطرفين إلى التشبث بالخيار "الآمن" المتمثل في التصعيد.
لعبة صيد الوعل لا تفترض أن البشر أنانيون بطبيعتهم (كما في معضلة السجين)، بل تُظهر أن التعاون ممكن عندما تتوفر آليات لبناء الثقة.
وفي مجال العلاقات الدولية تعني أن الحلول الدبلوماسية للصراعات المحتدمة مثل الأزمة الأمريكية-الإيرانيةلا تتطلب "التضحية"، بل إعادة هيكلة الحوافز لجعل التعاون الخيار العقلاني الأكثر أماناً، لا مجرد رهان على حسن النية.
وهنا تكمن قوة النظرية: فهي لا تصف الواقع فحسب، بل تُرشد إلى كيفية تغييره.
4 - الدبلوماسية كتوازن ناش جديد
توازن ناش في الدبلوماسية لا يعني بالضرورة "السلام المثالي"، بل حالة استقرار حيث لا يجد أي طرف مصلحة فردية في الخروج من الاتفاق. في الصراع الأمريكي-الإيراني، يمكن للدبلوماسية أن تصبح هذا التوازن الجديد،وليس مجرد تنازل مؤقت،إذا تجاوز الطرفان منطق "الخيانة الفردية" القصير الأمد.
النماذج الرياضية للعب المتكرر، تُظهر أن التعاون يبني ثقة تدريجية حتى بين الخصوم التاريخيين. التحدي اليوم ليس في تجنّب الحرب فحسب، بل في صياغة صفقة تحوّل التصعيد من "خيار عقلاني" إلى "خسارة استراتيجية".
ففي لعبة البقاء هذه، قد يكون التراجع المحسوب ليس كهزيمة، بل كخطوة نحو توازن أكثر استدامة هو أسمى أشكال الحكمة الاستراتيجية. التاريخ يعلّمنا أن أعظم الانتصارات الدبلوماسية لم تُحقّق على حافة الهاوية، بل بخطوة واحدة للوراء تفتح طريقاً جديداً للأمام.
