الشرق تريبيون- متابعات
صعّدت شركات الأدوية الأمريكية ضغوطها على الحكومات الأوروبية لرفع أسعار الأدوية، ملوّحة بإمكانية حجب أو تأخير طرح أدوية جديدة في الأسواق الأوروبية، في خطوة تهدف إلى تعويض الخسائر المحتملة الناتجة عن اتفاقات خفض الأسعار التي أبرمتها هذه الشركات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب داخل الولايات المتحدة.
وجاء هذا التصعيد بعدما أعلنت عدة شركات أدوية عالمية كبرى التوصل إلى اتفاقات مع البيت الأبيض لخفض أسعار بعض الأدوية في السوق الأمريكية. وقال المدير التنفيذي لشركة «فايزر»، ألبرت بورلا، إن الاتفاق الذي أبرمته شركته مع إدارة ترامب أجبرها عمليًا على رفع الأسعار في الأسواق الخارجية، محذرًا من أن الاستمرار في مستويات التسعير الحالية في أوروبا قد يدفع الشركة إلى وقف إمدادات الأدوية الجديدة لبعض الدول، وفقًا لصحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية.
ضغوط تسعيرية
وأوضح بورلا، خلال مؤتمر الرعاية الصحية السنوي الذي ينظمه بنك «جي بي مورجان»، أن معادلة التسعير الحالية باتت غير قابلة للاستمرار، متسائلًا عمّا إذا كان من المنطقي خفض الأسعار في الولايات المتحدة إلى مستوى فرنسا، أو التوقف عن تزويد السوق الفرنسية بالأدوية الجديدة. وفي الوقت نفسه، أكد أن شركات الأدوية لن تتمكن من قبول الأسعار الأوروبية المنخفضة من دون التأثير في قدرتها الاستثمارية.
وأشار مسؤولون تنفيذيون آخرون في شركات أدوية أمريكية، خلال المؤتمر نفسه، إلى أنهم يدرسون بهدوء خيارات تأجيل أو إلغاء إطلاق أدوية جديدة في أوروبا، في حال لم تستجب الحكومات الأوروبية لمطالب رفع الأسعار. وأضافوا أن مستويات التسعير الحالية في أوروبا لا تعكس تكاليف البحث والتطوير المرتفعة.
اتفاقات ترامب
وكان ترامب قد فرض، العام الماضي، ضغوطًا مباشرة على شركات الأدوية، مهددًا بفرض رسوم جمركية في حال عدم خفض الأسعار داخل الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، وافقت 16 شركة أدوية عالمية، من بينها «أسترازينيكا» و«جينينتيك» التابعة لشركة «روش»، على اتفاقات طوعية لخفض الأسعار في السوق الأمريكية وربطها بمستويات الأسعار في دول متقدمة أخرى، مثل كندا ودول أوروبية واليابان.
ورحّب ترامب بهذه الاتفاقات، معتبرًا أنها أجبرت أوروبا على مواجهة مسألة الأسعار، وقال إن الولايات المتحدة انتقلت من «أسوأ وضع» إلى أدنى أسعار للأدوية في العالم. وسرعان ما استخدمت شركات الأدوية هذه التصريحات لتعزيز موقفها التفاوضي مع الحكومات الأوروبية.
ردود أوروبية
أعادت هذه الضغوط إلى الواجهة توترًا قديمًا بين شركات الأدوية والأنظمة الصحية الأوروبية، إذ تمتلك الحكومات، في دول تعتمد على أنظمة الرعاية الصحية العامة، قدرة تفاوضية قوية لفرض أسعار منخفضة.
في المقابل، رفضت جهات أوروبية هذا الطرح، حيث قال ينس باس، المدير التنفيذي لأكبر صندوق تأمين صحي عام في ألمانيا «تيكنيكر كرانكنكاسه»، إن أسعار الأدوية في ألمانيا مرتفعة بالفعل.
وأضاف باس أن رفع الأسعار لن يسهم في تحفيز الاقتصاد الأوروبي، بل سيؤدي إلى زيادة أرباح شركات الأدوية فقط، مع تحميل دافعي اشتراكات التأمين الصحي أعباء إضافية، داعيًا البرلمان الألماني إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من الإنفاق، لا سيما على الأدوية المحمية ببراءات اختراع.
تداعيات محتملة
وحذّر محللون من أن هذا التصعيد قد يؤدي إلى تأخير طرح الأدوية الجديدة في الأسواق الأوروبية، إذ تُطلق العديد من الأدوية حاليًا في أوروبا بعد نحو عام من طرحها في الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، شبّه محللون هذا النهج بالضغوط التي استخدمها ترامب سابقًا مع حلفاء حلف شمال الأطلسي «الناتو» لدفعهم إلى زيادة إنفاقهم الدفاعي.
وأشار خبراء إلى أن الدول الأوروبية لا تمتلك فوائض مالية كبيرة تتيح لها رفع الإنفاق على الأدوية سريعًا، ما يضعها أمام خيارين: إما التكيف مع مطالب الإدارة الأمريكية وشركات الأدوية، أو مواجهة خطر تأجيل وصول علاجات جديدة إلى المرضى في أوروبا.