الشرق تريبيون- اخبار
تشهد أمريكا اللاتينية تحولًا سياسيًا متسارعًا نحو اليمين، فيما وصفت مجلة "الإيكونوميست" هذه الظاهرة بـ"الموجة البرتقالية"، في إشارة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي باتت سياساته وخطابه السياسي نموذجًا يحتذى به عدد متزايد من قادة المنطقة.
ومنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، فاز مرشحو اليمين في جميع الانتخابات الرئاسية السبع التي شهدتها أمريكا اللاتينية، بينما تشير التوقعات إلى أن البرازيل قد تلتحق بهذا الاتجاه خلال الانتخابات المقبلة، في واحدة من أسرع موجات التحول السياسي التي تشهدها القارة.
الترامبية اللاتينية
لا يقتصر التشابه مع ترامب على الانتماء السياسي، بل يمتد إلى أسلوب الحكم والخطاب السياسي. فالرؤساء الجدد يتبنون خطابًا قائمًا على التشدد في مكافحة الجريمة، والتعامل العسكري مع العصابات، وتشديد سياسات الهجرة، إلى جانب الهجوم المستمر على النخب السياسية ووسائل الإعلام والمؤسسات التقليدية.
وتضم قائمة أبرز رموز هذا التيار رئيس الأرجنتين خافيير ميلي، ورئيس السلفادور ناييب بوكيلي، ورئيس الإكوادور دانيال نوبوا، ورئيس تشيلي خوسيه أنطونيو كاست، إلى جانب الرئيس الكولومبي المنتخب أبيلاردو دي لا إسبرييا الذي حصل على دعم مباشر من ترامب خلال حملته الانتخابية.
لماذا يختار الناخبون اليمين؟
ترى الإيكونوميست أن السبب الرئيسي وراء صعود هذا التيار هو تشابه أولويات الناخبين في أمريكا اللاتينية مع أولويات الناخب الأمريكي الذي أوصل ترامب إلى السلطة.
فالقارة تعاني من مستويات مرتفعة من الجريمة المنظمة، إذ تضم نحو ثلث جرائم القتل في العالم رغم أن سكانها لا يمثلون سوى 8% من سكان العالم، وهو ما دفع قطاعات واسعة من الناخبين إلى تأييد المرشحين الذين يطرحون حلولًا أمنية صارمة، حتى وإن تضمنت عسكرة الأمن أو إنشاء سجون عملاقة على غرار تجربة السلفادور.
كما ساهمت أزمة الهجرة غير النظامية في تعزيز شعبية اليمين، خاصة في دول مثل تشيلي وبيرو والأرجنتين، حيث أصبحت الدعوات إلى ترحيل المهاجرين وتشديد الرقابة على الحدود جزءًا رئيسيًا من البرامج الانتخابية.
ترامب.. أكثر من مجرد إلهام
ولا يقتصر تأثير ترامب على الخطاب السياسي، بل يمتد إلى الدعم السياسي المباشر.
فقد أعلن الرئيس الأمريكي تأييده لعدد من المرشحين اليمينيين، من بينهم الرئيس الكولومبي المنتخب أبيلاردو دي لا إسبرييا، والرئيس الهندوراسي نصري عصفورة، كما دعم خافيير ميلي في الانتخابات التشريعية بالأرجنتين، وساعدت إدارة ترامب في توفير أكثر من "20 مليار دولار" عبر وزارة الخزانة الأمريكية لدعم الاقتصاد الأرجنتيني ومنع انهيار العملة، وهو ما اعتبره محللون عاملًا مهمًا في تعزيز موقع ميلي السياسي.
كما التقى دانيال نوبوا بترامب قبل إعادة انتخابه، بينما زار فلافيو بولسونارو، أبرز مرشحي اليمين في البرازيل، البيت الأبيض والتقى الرئيس الأمريكي قبل الانتخابات المقبلة.
السوشيال ميديا.. سلاح اليمين الجديد
وترى المجلة أن أحد أبرز أسباب نجاح "الموجة البرتقالية" يتمثل في الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي.
فما يقرب من 40% من سكان أمريكا اللاتينية يعتمدون على منصات التواصل كمصدر رئيسي للأخبار، وهي نسبة تعادل ضعف نظيرتها في أوروبا، وهو ما منح اليمين المتطرف مساحة واسعة للوصول إلى الناخبين بعيدًا عن وسائل الإعلام التقليدية، من خلال المؤثرين والمنصات الرقمية المتحالفة معه.
ورغم النجاحات الانتخابية، تشير الإيكونوميست إلى أن حصيلة الحكومات اليمينية لا تزال متباينة.
فبينما نجح رئيس السلفادور ناييب بوكيلي في خفض معدلات الجريمة بصورة غير مسبوقة، جاء ذلك على حساب انتقادات واسعة تتعلق بحقوق الإنسان والإجراءات القانونية.
وفي الإكوادور، لم تحقق الإجراءات الأمنية الصارمة النتائج المرجوة، إذ واصلت معدلات القتل تسجيل مستويات مرتفعة رغم الحملات العسكرية ضد العصابات. أما اقتصاديًا، فقد حققت تجربة خافيير ميلي في الأرجنتين تقدمًا في خفض التضخم، لكن تحديات النمو وسوق العمل لا تزال قائمة.
وتخلص المجلة إلى أن أمريكا اللاتينية لا تشهد مجرد تحول نحو اليمين التقليدي، بل نحو نسخة أكثر تشددًا وشعبوية مستوحاة من تجربة ترامب، مرجحة أن يظل هذا الاتجاه حاضرًا في المشهد السياسي حتى إذا استعادت قوى اليسار بعض مواقعها مستقبلًا.