الشرق تريبيون- اخبار
أعلنت ألمانيا تحولًا استراتيجيًا غير مسبوق في سياستها الدفاعية، مع كشفها عن خطة لإعادة بناء قدراتها العسكرية بعد عقود من القيود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، مستهدفةً تعزيز قواتها النظامية والاحتياطية لمواجهة التهديدات المتزايدة في أوروبا.
وأوضحت الحكومة الألمانية أن الاستراتيجية الجديدة تهدف إلى رفع عدد القوات العاملة إلى نحو 260 ألف جندي بحلول منتصف ثلاثينيات القرن الحالي، مع زيادة قوات الاحتياط إلى 200 ألف، بما يرفع إجمالي القوات الجاهزة إلى نحو 460 ألف عنصر، في خطوة تهدف إلى جعل ألمانيا أقوى قوة عسكرية تقليدية في أوروبا بحلول 2039، بحسب مجلة "نيوزويك" الأمريكية.
واعتمدت برلين خطة متعددة المراحل تبدأ بتوسع سريع حتى عام 2029، تليها مرحلة تطوير القدرات حتى 2035، ثم التركيز على التكنولوجيا العسكرية حتى 2039 وما بعدها، مع إدراج هذه الأهداف في تشريعات دخلت حيز التنفيذ في يناير 2026.
وفي الوقت نفسه، قال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس إن الحكومة ستتبع نهجًا مرنًا في التجنيد، بما في ذلك قبول عدد من المتقدمين يفوق عدد الوظائف المتاحة، مشيرًا إلى أن التجنيد الإلزامي سيظل خيارًا مطروحًا إذا لم تتحقق الأهداف المطلوبة من خلال التطوع.
تحول القدرات
انتقلت الاستراتيجية الجديدة من التركيز على عدد المعدات العسكرية إلى ما يسمى "القدرات التأثيرية"، حيث سيتم إعطاء الأولوية للضربات الدقيقة بعيدة المدى، والدفاع الجوي ضد الصواريخ فرط الصوتية، وتوسيع استخدام الطائرات المسيّرة.
إلى جانب ذلك، أكدت نيكول شيلينج، نائبة المفتش العام للقوات المسلحة الألمانية، أن معدلات التجنيد ارتفعت بنسبة 10% مقارنة بالعام الماضي، فيما زادت طلبات الالتحاق بنسبة 20%، ما يعكس تحسنًا نسبيًا في الإقبال على الخدمة العسكرية.
واستندت الخطة الألمانية إلى تقديرات تفيد بأن روسيا قد تشكل تهديدًا مباشرًا لأراضي حلف شمال الأطلسي بحلول عام 2029، في ظل قدرتها على إعادة بناء قواتها رغم الخسائر التي تكبدتها خلال الحرب الأوكرانية.
في الأثناء، أظهرت تحليلات أن الفجوة العسكرية لا تزال كبيرة، حيث يمكن لروسيا إنتاج كميات من الأسلحة في أشهر قليلة تعادل ما تمتلكه ألمانيا؛ إذ ارتفع إنتاج الدبابات الروسية إلى نحو 240 دبابة سنويًا، بينما تحتاج برلين إلى عقود لاستعادة مستوياتها السابقة من المعدات.
ضغوط أمريكية
جاءت هذه التحركات في سياق توتر متزايد بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، حيث ضغط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على دول الناتو لزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي بحلول 2035، ملوحًا بإعادة تقييم التزامات واشنطن تجاه الحلف.
إضافة إلى ذلك، أثارت تقارير عن احتمال إغلاق قواعد عسكرية أمريكية في أوروبا، بينها قواعد في ألمانيا، مخاوف بشأن مستقبل الضمانات الأمنية الأمريكية، ما دفع برلين إلى تبني دور أكبر في الدفاع الأوروبي.
وعززت ألمانيا وجودها العسكري في شرق أوروبا، بما في ذلك نشر دائم لقوات مدرعة في ليتوانيا، في تحول واضح عن سياستها الدفاعية التقليدية التي اتسمت بالحذر، وذلك في إطار جهود الناتو لتعزيز الردع على حدوده الشرقية.
في الوقت نفسه، يرى محللون أن التوسع العسكري الألماني لا يعكس فقط القلق من روسيا، بل أيضًا تراجع الثقة في استمرار الدور القيادي للولايات المتحدة داخل الحلف، ما يدفع الدول الأوروبية إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها.