الشرق تريبيون- متابعات
بعد 25 عامًا من المفاوضات الشاقة، حصل أكبر اتفاق تجاري في تاريخ الاتحاد الأوروبي على الموافقة الأولية، وهو الاتفاق مع مجموعة ميركوسور التي تضم دول أمريكا اللاتينية الكبرى، مثل الأرجنتين والبرازيل والأوروجواي وباراجواي، بحسب "بولتيكو".
وتهدف الاتفاقية، التي تنتظر موافقة البرلمان الأوروبي، إلى إنشاء منطقة تجارة حرة تغطي أكثر من 700 مليون شخص في أوروبا وأمريكا اللاتينية، مع إلغاء أكثر من 90% من الرسوم الجمركية على صادرات الاتحاد الأوروبي.
ومن المتوقع أن يستفيد المستهلكون الأوروبيون من استيراد منتجات مثل لحوم الأبقار من الأرجنتين، بينما ستنخفض الرسوم على السيارات الألمانية المستوردة إلى البرازيل، مما يسهل وصول شركات مثل فولكسفاجن وبي إم دبليو إلى الأسواق اللاتينية.
مكاسب سياسية واقتصادية
نجحت رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني في تحقيق مكاسب كبيرة لمزارعي إيطاليا عبر الحصول على تنازلات أخيرة من الاتحاد الأوروبي بعد تهديدها بدعم المعارضة الفرنسية للاتفاق. وشملت هذه المكاسب ضمانات لحماية السوق الزراعية الإيطالية وتمويلًا إضافيًا للقطاع، ما منح الحكومة وسيلة للترويج أمام الناخبين المحليين.
وكانت ألمانيا المستفيد الأكبر اقتصاديًا، إذ سيصبح وصول الشركات الألمانية إلى أسواق أمريكا اللاتينية أكثر سهولة مع خفض تدريجي للرسوم الجمركية، مع إعطاء الأولوية للسيارات الكهربائية، وهو تحرك استراتيجي يعكس رغبة أوروبا في اللحاق بالتحولات العالمية في قطاع السيارات النظيفة.
وتمثل الاتفاقية أيضًا انتصارًا مختلطًا لرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، التي نجحت في بناء غالبية مؤهلة في البرلمان الأوروبي بعد تلبية مطالب الدول المعترضة، مع وعود بتخصيص 45 مليار يورو لدعم المزارعين الأوروبيين، وهو تنازل عن خطط تقليص الدعم الزراعي لصالح الاستثمار في الابتكار والنمو، ما يعكس التوازن الدقيق بين السياسة والاقتصاد في صفقة بهذا الحجم.
أما المزارعون الأوروبيون فلم يكونوا خاسرين بالكامل، فالصفقة تضمنت حصصًا صارمة على صادرات اللحوم والدواجن من ميركوسور، مع حماية خاصة للمنتجات الأوروبية المميزة مثل جبن البارميزان والنبيذ الفرنسي، ما يحافظ على مصالح القطاع الزراعي الأوروبي ويخفف من المخاوف من غزو المنتجات اللاتينية.
الخاسرون السياسيون والدوليون
على الجانب الآخر، يظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كخاسر رئيسي، إذ لم ينجح في منع التصويت النهائي رغم الدعم من بولندا والنمسا وأيرلندا والمجر. حاول ماكرون حماية المزارعين الفرنسيين ضد تدفق المنتجات اللاتينية، لكن محاولاته باءت بالفشل، ما يعكس ضعف نفوذه السياسي على الساحة الأوروبية في الفترة الأخيرة.
وينضم إلى الخاسرين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي لم يستفد من الاتفاق أيضًا، خاصة مع انشغاله بعملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وبينما نجح الاتحاد الأوروبي وميركوسور في إظهار القوة الناعمة وتعزيز التعاون الاستراتيجي، عزز ترامب خصومه مثل الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، الذي أظهر صبرًا وانتظارًا لاتخاذ الاتحاد الأوروبي خطواته النهائية.
وتشمل الخسائر الصين، التي كانت توسع صادراتها إلى أمريكا اللاتينية خلال سنوات المفاوضات، وقد تجد أن الاتفاقية تمنح أوروبا فرصة لاستعادة حصتها في السوق، خاصة في قطاعات السيارات والآلات والطيران، كما تعزز موقف الشركات الأوروبية في مجال الاستثمارات المباشرة مقارنة بمنافسيها الصينيين.
التأثير البيئي والتحديات المستقبلية
تحمل الاتفاقية تداعيات بيئية كبيرة، إذ إن زيادة إنتاج اللحوم في البرازيل تعني تقليص الغابات المطيرة، وهو تهديد للنظام البيئي العالمي، ومع ذلك تتضمن الصفقة تدابير إلزامية لمكافحة إزالة الغابات غير القانونية، إضافة إلى التزام الدول الأطراف باتفاق باريس للمناخ، ما يوفر حدًا من الحماية البيئية.
وعلى المدى الطويل، تتيح الاتفاقية فرصة لتعزيز التعاون السياسي والتجاري بين أوروبا وأمريكا اللاتينية، مع ضرورة موازنة دقيقة بين مصالح الصناعة والزراعة والحفاظ على البيئة.