الجريدة العربية الاولى عند التأسيس ناطقة باللغة العربية والانجليزية والفرنسية ..مقرها لندن والقاهرة وقريبا فى دول الخليج و المغرب العربى

رئيس التحرير
محمد العطيفي
الشرق تريبيون
مستقلة. سياسية. دولية
الصوت العربي الى العالم
عاجل
اوروبا

الحر القاتل يقتحم أوروبا.. هل انتهت أسطورة منازل بلا تكييف؟

الحر القاتل يقتحم أوروبا.. هل انتهت أسطورة منازل بلا تكييف؟

الشرق تريبيون- متابعات 

مع تزايد موجات الحر الشديدة التي تضرب أوروبا بوتيرة غير مسبوقة، يجد ملايين الأوروبيين أنفسهم في مواجهة درجات حرارة قياسية أصبحت أكثر قسوة واستمرارًا بفعل التغير المناخي، ما يفتح الباب أمام تساؤلات متزايدة حول أسباب محدودية انتشار أجهزة التكييف في القارة العجوز.

وبحسب شبكة "سي إن إن" الأمريكية، فإنه على الرغم من أن الحرارة المرتفعة أصبحت واقعًا متكررًا في العديد من الدول الأوروبية، إلا أن أجهزة التكييف لا تزال غائبة عن معظم المنازل، إذ يعتمد السكان غالبًا على المراوح الكهربائية والكمادات الباردة والاستحمام بالمياه الباردة للتخفيف من آثار الطقس الحار.

وتكشف الأرقام عن فجوة كبيرة بين أوروبا والولايات المتحدة في هذا المجال؛ ففي حين تتجاوز نسبة المنازل المزودة بأنظمة تكييف في الولايات المتحدة 90%، لا تتعدى هذه النسبة نحو 20% في أوروبا.

ويرجع خبراء الطاقة هذا التفاوت إلى عوامل تاريخية ومناخية، إذ لم تكن غالبية الدول الأوروبية، خاصة في شمال القارة، بحاجة ملحة إلى أنظمة التبريد في الماضي. إلا أن موجات الحر الحالية باتت أكثر طولًا وشدة من أي وقت مضى، ما يغيّر تدريجيًا نظرة الأوروبيين إلى التكييف باعتباره رفاهية وليس ضرورة.

ويؤكد خبراء أن ارتفاع أسعار الطاقة في أوروبا مقارنة بالولايات المتحدة يشكّل أحد أبرز العوائق أمام انتشار أجهزة التكييف، فضلًا عن انخفاض القدرة الشرائية في العديد من الدول الأوروبية مقارنة بالأمريكيين.

كما تلعب طبيعة المباني الأوروبية دورًا مهمًا في هذه المعادلة. ففي دول جنوب أوروبا، صممت المباني التقليدية بجدران سميكة ونوافذ صغيرة تسمح بالحفاظ على درجات حرارة أقل داخل المنازل، ما خفف الحاجة إلى التبريد الاصطناعي لعقود طويلة.

في المقابل، تواجه العديد من الدول الأوروبية الأخرى تحديات مختلفة، إذ تضم القارة عددًا كبيرًا من المباني القديمة التي شيدت قبل انتشار تقنيات التكييف الحديثة، الأمر الذي يجعل تركيب أنظمة تبريد مركزية أكثر تعقيدًا وتكلفة.

وتبرز كذلك عقبات تنظيمية وقانونية، خاصة في بريطانيا وبعض الدول الأوروبية، حيث تفرض السلطات قيودا على تركيب وحدات التكييف الخارجية في المباني التاريخية والمناطق المصنفة تراثيًا حفاظًا على الطابع المعماري.

 

من جانب آخر، ترتبط القضية بالتزامات أوروبا البيئية. فالاتحاد الأوروبي يسعى لتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050، بينما يؤدي التوسع الكبير في استخدام أجهزة التكييف إلى زيادة استهلاك الكهرباء ورفع الانبعاثات الكربونية، خصوصا إذا كانت مصادر الطاقة لا تزال تعتمد على الوقود الأحفوري.

كما تشير دراسات إلى أن أجهزة التكييف لا تكتفي باستهلاك كميات كبيرة من الطاقة، بل تسهم أيضًا في رفع درجات الحرارة خارج المباني عبر طرد الهواء الساخن إلى الشوارع، وهو ما يُزيد من ظاهرة "الجزر الحرارية" داخل المدن المكتظة بالسكان.

ولهذا السبب اتخذت بعض الحكومات الأوروبية إجراءات للحد من استهلاك الطاقة، من بينها قرار إسبانيا عام 2022 الذي ألزم الأماكن العامة بعدم خفض درجة حرارة أجهزة التكييف إلى أقل من 27 درجة مئوية.

ومع ذلك، بدأت المواقف تجاه التكييف تتغير تدريجيًا مع تحول أوروبا إلى واحدة من أكثر مناطق العالم تأثرًا. بالتغير المناخي، حيث ترتفع درجات الحرارة فيها بمعدل يساوي ضعف المتوسط العالمي تقريبا.

وتواجه القارة اليوم معضلة حقيقية؛ فإما التوسع في استخدام أجهزة التكييف وما يرافقه من أعباء بيئية واستهلاك للطاقة، أو البحث عن حلول بديلة تضمن التكيف مع صيف يزداد سخونة عامًا بعد آخر.

وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن عدد أجهزة التكييف في دول الاتحاد الأوروبي قد يصل إلى 275 مليون وحدة بحلول عام 2050، أي أكثر من ضعف العدد المسجل في عام 2019، في مؤشر واضح على تنامي الطلب على وسائل التبريد.

كما تؤكد شركات متخصصة في أنظمة التكييف أن الطلب على تركيب الأجهزة المنزلية شهد قفزة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تكرار موجات الحر القياسية التي باتت تؤثر على الحياة اليومية للسكان، وخاصة خلال ساعات الليل.

ورغم أن التكييف يوفر حلًا سريعًا للتعامل مع الحرارة المرتفعة، يحذر خبراء المناخ من أن الاعتماد المفرط عليه قد يؤدي إلى حلقة مفرغة؛ فزيادة استهلاك الطاقة تعني مزيدًا من الانبعاثات، وهو ما يسهم بدوره في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وارتفاع درجات الحرارة مستقبلًا.

ويرى مختصون أن التحدي الأكبر أمام أوروبا خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط في توفير وسائل تبريد فعالة، بل في ضمان أن تكون هذه الأنظمة أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للطاقة، بما يحقق التوازن بين حماية السكان من موجات الحر المتطرفة والحفاظ على الأهداف المناخية طويلة الأمد.

إضافة تعليق

لن يتم نشر البريد الإلكتروني

ذات صلة

الشرق تريبيون
عادة ما يتم الرد خلال 5 دقائق
الشرق تريبيون
أهلا وسَهلًا 👋

كيف يمكننا تقديم المساعدة؟
بدء المحادثة